مطار بورتسودان اليوم
مطار بورتسودان الدولي: بوابة الشرق السوداني في مهب العاصفة
يُعد مطار بورتسودان الدولي ثاني أكبر مطار في جمهورية السودان بعد مطار الخرطوم الدولي، ويقع في مدينة بورتسودان الساحلية الواقعة على البحر الأحمر، والتي تُعتبر مركزًا استراتيجيًا هامًا في شرق البلاد. ومنذ افتتاحه الرسمي عام 1992، لعب المطار دورًا محوريًا في الربط الجوي للسودان مع دول المنطقة والعالم، خصوصًا بعد تصاعد الأزمات في العاصمة الخرطوم، ما جعله بديلًا حيويًا للرحلات الجوية والمساعدات الإنسانية. غير أن الهجوم الأخير عليه أثار مخاوف كبيرة بشأن مستقبل هذا الشريان الحيوي.
تاريخ المطار وأهميته الاستراتيجية
تم افتتاح مطار بورتسودان الدولي رسميًا في عام 1992 ليخدم بوصفه مرفقًا جويًا حديثًا ومكملًا لمطار الخرطوم، خاصة مع توسع النشاط البحري والتجاري في المدينة. ويتميّز المطار بموقعه القريب من الميناء البحري الرئيسي في السودان، ما جعله محطة مهمة لنقل البضائع والمسافرين من وإلى شرق السودان.
إضافة إلى كونه مركزًا للنقل المدني، فإن المطار يضم كذلك قاعدة عسكرية تعرف باسم "قاعدة عثمان دقنة الجوية"، وهي منشأة جوية تستخدمها القوات المسلحة السودانية لأغراض التدريب والمراقبة والدفاع الجوي، ما يعكس أهمية الموقع من الناحيتين المدنية والعسكرية.
تجهيزات المطار
مطار بورتسودان مزوّد بكافة التجهيزات الملاحية الحديثة، بما في ذلك برج مراقبة جوي متقدم، ورادارات للملاحة، ومنظومات للهبوط الآلي، إلى جانب خدمات أرضية وصالات مريحة للمسافرين. وقد تم تطويره تدريجيًا ليستوعب الطائرات الكبيرة والمتوسطة، ويستقبل رحلات من عدة دول مجاورة مثل السعودية ومصر والإمارات.
كما يضم المطار مرافق لوجستية لدعم عمليات الشحن الجوي، مما جعله نقطة مهمة في استيراد وتصدير السلع عبر البحر والجو.
بورتسودان.. العاصمة المؤقتة
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تضررت العاصمة الخرطوم بشدة، وجرى نقل العديد من الإدارات الحكومية والمؤسسات الدولية إلى بورتسودان، التي تحولت فعليًا إلى العاصمة المؤقتة للبلاد. ونتيجة لذلك، ازداد الاعتماد على مطار بورتسودان باعتباره المنفذ الجوي الرئيسي الوحيد شبه الآمن في البلاد.
ومع هذا التحول، تضاعفت الحركة الجوية عبر المطار، سواء من حيث نقل المسؤولين والدبلوماسيين، أو رحلات الإجلاء والمساعدات الإنسانية.
هجوم 5 مايو 2025.. المسيرات الانتحارية تضرب المطار
في يوم الأحد 5 مايو 2025، شهد مطار بورتسودان الدولي تطورًا خطيرًا تمثل في تعرضه لهجوم جوي بواسطة خمس طائرات مسيّرة انتحارية خلال نصف ساعة فقط. ووفق ما أفادت به مراسلة قناة "العربية/الحدث"، فإن المسيرات استهدفت منشآت قريبة من مدرج الطيران، وأُطلقت بالتزامن مع قصف مماثل على قاعدة عثمان دقنة الجوية المجاورة.
وأشارت التقارير الأولية إلى أن الدخان الكثيف شوهد يتصاعد من منطقة الهجوم، ما أثار الذعر والارتباك بين المواطنين، وتسبب في توقف حركة الملاحة الجوية مؤقتًا.
ردود الفعل والتداعيات الأمنية
أكّدت مصادر عسكرية سودانية أن الهجوم نفذته قوات الدعم السريع، التي صعّدت مؤخرًا من استهدافها للمواقع الحيوية خارج العاصمة، في إطار حرب الاستنزاف التي تخوضها ضد الجيش السوداني. غير أن تلك المصادر قللت من خطورة الهجوم، ووصفت الخسائر بالمحدودة، معتبرةً أنه رد فعل يائس على التقدم العسكري الذي حققه الجيش في مناطق أخرى.
ومع ذلك، أثار الهجوم العديد من المخاوف من احتمال تكرار استهداف المطار، خاصة أنه يعد المنفذ الجوي الأهم للحكومة السودانية في ظل توقف مطار الخرطوم عن العمل بسبب الحرب. كما أن تضرر المطار أو تعطله لفترات طويلة سيؤثر بشدة على الإمدادات الإنسانية والإجلاء الطبي، ويمثل ضربة قوية لصورة بورتسودان كملاذ آمن نسبيًا.
التأثير على المدنيين والحركة الجوية
أدى الهجوم إلى توقف مؤقت لجميع الرحلات الجوية في المطار، حيث تم إخلاء الصالات وتعليق الرحلات المدنية حتى التأكد من سلامة المنشآت. وقد أُعيد فتح المطار جزئيًا في وقت لاحق من اليوم، وسط تعزيزات أمنية مشددة وإجراءات تفتيش إضافية.
وانتشرت حالة من القلق بين السكان المحليين والعاملين في المطار، في ظل مخاوف من تحوّل بورتسودان إلى ساحة مواجهة مفتوحة بعد أن كانت الملاذ الأخير للملايين من النازحين واللاجئين من العاصمة ومناطق الصراع الأخرى.
أهمية تأمين المطار في المرحلة المقبلة
مع تزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة وتطور قدرات الدعم السريع في تنفيذ هجمات دقيقة على أهداف استراتيجية، يبرز سؤال جوهري: هل لدى الحكومة السودانية والجيش خطة فعلية لحماية مطار بورتسودان وضمان استمرارية عمله؟
يتطلب الأمر جهودًا مشتركة من الدفاع الجوي، والاستخبارات، والدعم اللوجستي لتأمين محيط المطار بشكل كامل، ومنع اقتراب أي مسيّرات معادية. كما أن التنسيق مع الحلفاء الإقليميين والدوليين قد يسهم في تطوير أنظمة الدفاع الجوي واستخدام تقنيات التشويش الإلكتروني.
خاتمة
مطار بورتسودان الدولي ليس مجرد منشأة نقل جوي، بل هو اليوم شريان الحياة الوحيد المتبقي لحكومة السودان، وللملايين من المدنيين الذين يتشبثون ببصيص من الأمان وسط حرب طاحنة تهدد بتمزيق ما تبقى من الدولة. إن الحفاظ على هذا المرفق الحيوي وتأمينه ضد الهجمات ليس خيارًا، بل ضرورة مصيرية لمستقبل السودان في المرحلة الراهنة.